تخطى إلى المحتوى

خراسان! البخل طبع فيهم وفي نفوسهم

خُراسان! البخل طبعٌ فيهم وفي نفوسهم

خراسان! البخل طبع فيهم وفي نفوسهم – قال أبو هفّان عن الجاحظ: «لم أرَ قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته».

إنه أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الملقب بالجاحظ، المولود في البصرة سنة 159ھ، لقد بلغ المنزلة الرفيعة في عصره وكل العصور، لقد كان قوي الحفظ واسع الرواية، بعيد مدى الذكاء، وسريع البديهة حلو الفكاهة، إضافة إلى كثير القراءة، وكل هذه العوامل ساعدته على أن يكون من أشهر مؤلفين الكتب في الأدب العربي، فترك لنا ورثة كبيرة تقارب المائة والخمسون كتابا، ومن أشهرها وأهمها البيان والتبين والحيوان، وكتاب البخلاء.

ويعتبر كتاب البخلاء كتابا فريدا من نوعه، ففي الوقت الذي انشغل فيه الأدباء في تأليف كتب تروي جمال الأدب والشعر والإبداع في ذلك العصر، ذهب الجاحظ لتأليف كتاب يحدثنا فيه عن الحياة الإجتماعية في ذلك العصر وكان تركيزه كله منصب على البخل والبخلاء، فبسرده الجميل أطلعنا على أسرار الأسر ووصف لنا الحياة الإجتماعية بشكل مفصل في زمنه، وهذا الكتاب يعتبر كتاب أدب وعلم وفكاهة، وهو من أنفس الكتب التي يتنافس فيها الأدباء، فلا يوجد كتب تفوقه بالروح الخفيفة التي تطرب له الآذان وتهتز له الأرواح، وتضحك لحديثه القلوب، ويجذب إليه النفوس، فتجلى فيه أسلوبه الفياض، وبيانه الجزل الرصين، وقدرته الكبيرة، على صياغة النادرة، في أسهل بيان، وأدق تعبير وأبرع وصف، وسنسرد قصة عن أحد البخلاء الذين تناولهم الجاحظ في كتابه.

خراسان

أهل خُراسان كان البخل منتشرا فيهم بشكل كبير، ويروي لنا الجاحظ، عن أحدهم واسمه ثمامة، يقول: «لم أرَ الديك في بلد قط إلا وهو لاقط، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب!» قال: فعلمت أن بخلهم في طبع البلاد وفي جميع نواحي حياتهم حتى في الحيوانات.

فذهب الجاحظ بعد سماع هذه القصة مستغربا ومندهشا، فرواها لصديقه أحمد بن رشبده، فلم يتعجب من هذا، وقال له: «كنت في نفس المكان الذي حدثتني عنه ولكن عند جماعة أخرى، وبالتحديد عند شيخ من أهل مرو، وكان له صبي صغير يلعب بين يديه، فأردت أن أختبر البخل الذي في نفوسهم هل هو صحيح أم افتراء، فقلت له ممازحا وممتحنا لطبيعة البخل في نفسه: أطعمني من خبزكم، قال: لا تريده، مذاقه مر! فقلت: فأسقني من مائكم، قال: لا تريده، هو مالح! فقلت: هات من كذا وكذا، فقال: لا تريده، مخترعا أكاذيب بأنها لا تصلح ولا تفيده، ففي كل مرة يطلب منه شيء يمنعه ويُبَغَضه إليه، فضحك أبوه وقال له: ما ذنبنا؟ فهذا الذي تسمعه ناشئ من علمه، ويقصد بذلك أن البخل طبع فيهم وفي نفوسهم وطينتهم.

قصص أدبية

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.